لا شك أن التصويت لصالح لانا نسيبة، مرشحة الإمارات لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، يعني تأييد الإبادة الجماعية والفظائع الجماعية والحروب، في وقت تواجه فيه أبوظبي اتهامات بدعم قوات شبه عسكرية متورطة في ارتكاب جرائم إبادة جماعية في السودان، بحسب ما يرى دينو ماهتاني، المحقق السابق في مجلس الأمن الدولي الذي عمل مع الأمم المتحدة لمدة عقد، والقائم السابق بأعمال مدير برنامج أفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية.
وبحسب مقال رأي نشره موقع «ميدل إيست آي»، أثار مسعى الإمارات لتولي إحدى أبرز دبلوماسياتها منصب الأمين العام للأمم المتحدة انقسامًا واسعًا، وطرح تساؤلات بشأن مستقبل السلطة الأخلاقية للمنظمة الدولية، لا سيما في ظل الاتهامات الموجهة إلى أبوظبي بدعم قوات الدعم السريع في السودان.
ويرى الكاتب أن ترشيح لانا نسيبة، الدبلوماسية التي تتمتع بخبرة دولية واسعة، جاء بدفع من الرئيس الإماراتي محمد بن زايد، الذي يصفه بأنه حاكم سلطوي وداعم لأمراء الحرب والجماعات شبه العسكرية والمرتزقة في الشرق الأوسط وأفريقيا، معتبرًا أن هذا الترشيح يعكس طبيعة السياسة القائمة على المصالح والنفوذ في المرحلة الراهنة.
وتراكمت على مدار سنوات أدلة تتهم الإمارات بدعم قوى متورطة في ارتكاب فظائع بالسودان، شملت تحقيقات أممية، بينما تواصل الدولة الخليجية نفي هذه الاتهامات، بالتوازي مع سعيها إلى ترسيخ صورة دولية مصقولة.
وفي سبتمبر، خلصت شركة «أنثروبيك» بدرجة ثقة مرتفعة إلى أن الإمارات تقف وراء عملية للتأثير استهدفت خبراء الأمم المتحدة ومنتقدي دورها في السودان. ويرى ماهتاني أن تعيين نسيبة على رأس منظمة دولية تكافح بالفعل للحفاظ على أهميتها واحتواء موجة الحروب المتصاعدة، من شأنه أن يقوض ما تبقى من سلطتها الأخلاقية، في ظل عمليات القتل وحملات التضليل الإعلامي والإنكار الرسمي.
وحتى أكتوبر، هيمن مرشحون من تيارات الوسط واليسار في أمريكا اللاتينية على سباق خلافة أنطونيو جوتيريش، لكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفضهم جميعًا، بعدما وصف الأمم المتحدة بأنها خاضعة لـ«أجندة يسارية متطرفة» تقودها بيروقراطية عالمية.
ومهد ذلك الطريق أمام محمد بن زايد، الذي يصفه ترامب بأنه «محارب»، لدعم ترشيح نسيبة. وتعهد الرئيس الإماراتي باستثمارات تبلغ 1.4 تريليون دولار في الولايات المتحدة، تشمل قطاعات الذكاء الاصطناعي، كما يتواصل مع ترامب بشأن احتواء إيران، ويُعد أحد أبرز حلفاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الشرق الأوسط، في وقت دمرت فيه الحرب الإسرائيلية قطاع غزة، بينما تساعد الإمارات إسرائيل في خطط إعادة تطويره.
ورغم أن نسيبة تنحدر من أصول فلسطينية، ودرست أكاديميًا الشؤون الإسرائيلية، فقد حصل ترشيحها على دعم السلطة الفلسطينية، التي تعتمد جزئيًا على إسرائيل في تحصيل إيراداتها.
الإنكار والتضليل.. سجل نسيبة في مواجهة التحقيقات الأممية
تقول نسيبة إنها ستعمل، إذا أصبحت أول امرأة تتولى منصب الأمين العام للأمم المتحدة، وفقًا لما وصفته بأنه «مصالح الأمم المتحدة وحدها». لكن هذا التعهد لا يقنع كثيرين.
وترى منظمة «مركز السياسات الدولية»، وهي مؤسسة بحثية أمريكية تقودها نساء، أن مسيرتها المهنية ستظل مرتبطة بنظام سلطوي يوفر ملاذًا للفساد والثراء غير المشروع على المستوى العالمي.
وخلال عملها سفيرة للإمارات لدى الأمم المتحدة، ثم وزيرة ومبعوثة للسياسة الخارجية، قادت نسيبة النفي الإماراتي القاطع للتقارير الأممية والإعلامية التي اتهمت أبوظبي بدعم قوات الدعم السريع في السودان، وهي القوات التي أكدت إدارة ترامب نفسها تورطها في ارتكاب إبادة جماعية.
واستمر هذا النفي رغم مواصلة محققي الأمم المتحدة إبلاغ مجلس الأمن بالدور الإماراتي. وعندما سُئلت نسيبة في الأمم المتحدة هذا الأسبوع عما إذا كانت ستواصل رفض نتائج التحقيقات الأممية بشأن دعم بلادها لقوات الدعم السريع، تهربت من الإجابة، قائلة إن على الإمارات الرد مباشرة على هذه الاتهامات، موضحة أنها حصلت على إجازة من منصبها الوزاري للتركيز على ترشحها.
وبدلًا من ذلك، أكدت بصورة عامة أن حل الصراع في السودان سيكون «اختبارًا حاسمًا» لنجاح أي أمين عام للأمم المتحدة ومصداقيته.
ويقول ماهتاني إنه عاين بنفسه، بصفته محققًا سابقًا في مجلس الأمن، طريقة تعامل البعثة الإماراتية لدى الأمم المتحدة، خلال فترة تولي نسيبة منصب السفيرة، مع الأدلة المتراكمة على تورط أبوظبي في انتهاك العقوبات الدولية.
فخلال عامي 2013 و2014، وبعد تولي نسيبة منصبها بفترة وجيزة، وثّق الكاتب أكثر من 160 شحنة من الفحم النباتي نُقلت من الصومال إلى الإمارات، في انتهاك لقرار أممي يربط هذه التجارة بشبكات تمويل حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة.
ويضيف أنه لاحظ، خلال اجتماعاته مع فريق نسيبة، أن مكتبها اعتاد التقليل من شأن الأدلة المتاحة ورفضها. وانتهت تحقيقاته إلى تحديد موقع في الصحراء الإماراتية، عثر فيه على مستودعات متعددة مليئة بالفحم الصومالي، والتقط صورًا لها، في انتهاك صريح للقانون الدولي.
وفي عام 2022، وبعد سنوات من مغادرته الأمم المتحدة، وأثناء استمرار نسيبة في منصبها سفيرة للإمارات، مر الكاتب بالدولة الخليجية في رحلة عبور، لكنه احتُجز فور وصوله، وخضع للاستجواب عدة ساعات قبل ترحيله.
ويقول إن تحقيقاته الخاصة، بما شملته من استفسارات عبر محامٍ مقيم في الإمارات، أثبتت ارتباط احتجازه بعمله السابق داخل الدولة، وأنه جاء على خلفية تجدد التحقيقات الأممية بشأن تجارة الفحم الصومالي. ومع ذلك، نفى مكتب نسيبة بصورة قاطعة تورط حكومتها في الواقعة.
النفوذ الإقليمي.. حروب بالوكالة ومشروعات استراتيجية
لا تزال الإمارات، بحسب الكاتب، تلجأ إلى أساليب الترهيب والضغط. فقد عرقلت البحرين، حليفة أبوظبي والعضو غير الدائم في مجلس الأمن، تقريرًا أمميًا أُعد خلال العام الجاري، وتناول نشر الإمارات مرتزقة كولومبيين لدعم قوات الدعم السريع خلال ارتكابها فظائع أثناء حصار مدينة الفاشر في دارفور العام الماضي، ما أدى إلى تعطيل نشر التقرير لأشهر.
وفي أغسطس، طالب سفير الإمارات لدى الأمم المتحدة المحققين الأمميين بـ«المعالجة الفورية للعيوب الخطيرة» التي قال إنها تشوب التقرير.
ويكتسب التحكم في الرواية المتعلقة بالسودان أهمية كبيرة بالنسبة إلى الإمارات، لأنه يؤثر في الطريقة التي يُنظر بها إلى دورها في الحروب الدائرة بمنطقة البحر الأحمر. فقد دعمت أبوظبي أحد أمراء الحرب الذي يسيطر على شرق ليبيا، وساندت انفصاليين في اليمن مؤيدين لإسرائيل، كما سلحت نظامًا إثيوبيًا يخوض حاليًا مواجهات مع عدة فصائل، من بينها إحدى الجماعات في إقليم تيجراي شمالي البلاد، حيث قُتل أو تعرض مئات الآلاف للمجاعة منذ عام 2020.
وتتزامن هذه الصراعات مع استثمارات إماراتية بمليارات الدولارات في تطوير الموانئ على الممرات المائية الحيوية للبحر الأحمر، ومن بينها ميناء بربرة في إقليم أرض الصومال الانفصالي، الذي اعترفت به إسرائيل مؤخرًا دولة مستقلة.
ويشير الكاتب إلى أن هذه المشروعات تستهدف جزئيًا تطويق السعودية وتجاوز نفوذها، في ظل التنافس القائم بين البلدين على زعامة المنطقة. كما تعزز هذه الاستثمارات موقع الإمارات بوصفها مركزًا لا غنى عنه للرأسمالية العالمية، إذ تشير بعض التقديرات إلى أن شبكاتها التجارية تصل إلى ثلث سكان العالم.
ثمن النفوذ.. مليارات الإمارات ومواقف القوى الكبرى
استخدمت الإمارات ثروتها الهائلة لشراء النفوذ لدى الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، وهي الدول التي كان بإمكانها استخدام حق النقض ضد ترشيح نسيبة.
فقد تعهدت أبوظبي بضخ مليارات الجنيهات الإسترلينية في المملكة المتحدة، التي باتت حكومتها تتعامل بحذر مع دور الإمارات في السودان، وكذلك مع الجدل المتعلق بنادي مانشستر سيتي لكرة القدم.
كما تعهدت باستثمارات بمليارات اليوروهات في فرنسا، التي تستضيف الإمارات على أراضيها قاعدة عسكرية فرنسية وفرعًا لمتحف اللوفر في أبوظبي.
أما الصين، فقد يتراجع تحفظها إزاء مرشحة تحظى بهذا القدر من الدعم الأمريكي، وترتبط بعلاقات وثيقة مع إسرائيل، بفعل نظرتها إلى الإمارات باعتبارها أهم شريك استراتيجي لها في الشرق الأوسط.
ويُعاد تصدير نحو 60% من التجارة الصينية عبر الموانئ الإماراتية إلى أكثر من 400 مدينة. ورغم استمرار دعم بكين لمرشح من أمريكا اللاتينية، فإن موقفها قد يتغير تحت تأثير هذه المصالح.
وعززت الإمارات كذلك علاقاتها مع روسيا، إذ استوردت كميات كبيرة من النفط الروسي والمنتجات المكررة عبر وسطاء، منذ فرض العقوبات الغربية على موسكو.
كما توسط محمد بن زايد مؤخرًا في اتفاق بين ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتوريد الديزل، وهي تجارة يحتاج إليها الرئيس الأمريكي لخفض أسعار الوقود وتهدئة الناخبين قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي.
ويرى ماهتاني أن ارتباط الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن بالإمارات واعتمادها عليها يجعلان تمرير ترشيح نسيبة أمرًا غير مستبعد، معتبرًا أن وصولها إلى المنصب قد يسهل استمرار سياسات التواطؤ بين القوى الكبرى.
لكنه يحذر من أن تعمل نسيبة لصالح ضحايا الحروب والفظائع الجماعية وجرائم الإبادة، إذا تولت قيادة المنظمة الدولية.
https://www.middleeasteye.net/opinion/uaes-deals-dark-politics-its-representative-nowhere-near-the-UN

